الشيخ محمد هادي معرفة

323

تلخيص التمهيد

من ذلك قراءة أبي بكر لمّا احتضر : « وجاءت سكرة الحق بالموت » « 1 » قال أبو بكر الأنباري : لمّا احتضر أبو بكر أرسل إلى عائشة ، فلمّا دخلت عليه قالت : هذا كما قال الشاعر : لعمرك ما يغني الثراء ولا الغنى * إذ حشرجت يوماً وضاق بها الصدرُ فقال أبو بكر : هلّا قلت كما قال اللَّه : « وجاءت سكرة الحق بالموت ذلك ما كنت منه تحيد » « 2 » . ومنذ ذلك العهد هبِّ أرباب التاريخ والمفسِّرون والمحدِّثون يرمون قراءته هذه بالشذوذ المخالف للرسم « 3 » . فلولا أنَّ للقرآن حقيقة ثابتة معهودة عند الجميع لما كان لهذا الغوغاء سبب واضح . وقرأ عمر بن الخطّاب ، « والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتّبعوهم بإحسان » قرأ برفع « الأنصار » وبإسقاط الواو من « والَّذين اتَّبعوهم » « 4 » لزعم زعمه ، فهبَّ زيد بن ثابت يجادله في قراءته هذه الخارجة عن متعاهد العامَّة ، فلم يتنازل عمر لكلام زيد حتّى حاكمه إلى ابيّ بن كعب ، فجعل ابيّ يستشهد بآيات أخرى حتّى قَبِل « 5 » . وهكذا قراءة أبي حنيفة « إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ » « 6 » برفع اسم الجلالة ونصب العلماء « 7 » . وأنت إذا لاحظت المصاحف الأثريَّة القديمة وقارنتها مع المصاحف الحاضرة المخطوطة والمطبوعة فإنَّك تجدها جميعاً متَّحدة في الأسلوب والخطّ وثبت الكلمات في بنيتها وصورتها وما إلى ذلك ، أمّا اختلاف الحركات فسوف نتعرَّض له . كلّ ذلك دليل واضح على تلك الوحدة المتَّفق عليها عند المسلمين جميعاً في جميع

--> ( 1 ) والقراءة المأثورة : « وجاءت سكرة الموت بالحقّ » سورة ق : 19 . ( 2 ) تفسير القرطبي : ج 17 ص 12 - 13 ، في أشهر الروايتين . ( 3 ) راجع البرهان : ج 1 ص 335 ، والنشر : ج 1 ص 26 - 28 . ( 4 ) التوبة : 100 . ( 5 ) القرطبي : ج 8 ص 238 . ( 6 ) فاطر : 28 . ( 7 ) وتنسب إلى عمر بن عبد العزيز أيضاً . ( راجع تفسير القرطبي : ج 14 ص 344 ) .